في ظل دخول عصر "الوكيل" (Agent) الذي يفتح آفاقًا جديدة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، أعادت غوغل رسم استراتيجية الأجهزة بشكل جذري. لقد تخلت الشركة عن النهج السابق الذي كان يعتمد على معالج عام واحد لمعالجة كل من مراحل التعلم والاستدلال، لتعلن عن تطوير وإطلاق نوعين مستقلين من أشباه الموصلات مخصصة تمامًا: TPU 8t المخصص للتعلم الضخم، و TPU 8i المخصص للاستدلال عالي التوافق الزمني. وقد أُعلن رسميًا عن هذين الرقائق المبتكرين في مؤتمر "Cloud Next 2026" الذي عُقد في لاس فيغاس بالولايات المتحدة في 23 من الشهر الماضي. وشددت غوغل على أن سوق الذكاء الاصطناعي يمر بتحولات سريعة من مرحلة تطوير النماذج إلى مرحلة تشغيلها في الخدمات الفعلية، وأن هذا الجيل الجديد من الرقائق مصمم خصيصًا لتلبية هذه البنية الجديدة في الطلب.

في حين كان جيل "Ironwood TPU" السابق منصة علوية واحدة تم إعدادها لعصر الاستدلال، فإن أبرز ميزة لهذا الجيل الجديد هي تفكيك البنية ذاتها إلى قسمين. وذلك بسبب الانتشار السريع لتقنيات الوكلاء الذكيين، مما أدى إلى زيادة هائلة ومتزامنة في الطلب على البنية التحتية القادرة على تدريب نماذج ضخمة، وعلى البنية التحتية للاستدلال التي تعمل بكفاءة وسرعة في بيئات السحابة. وقد أظهرت غوغل إرادتها في تأمين أداء وكفاءة مثالية لكل مرحلة عن طريق تبني استراتيجية تفرق واضحة بين الرقائق المخصصة للتعلم وتلك المخصصة للاستدلال.

يُعد TPU 8t رقاقة تركز على أعباء العمل المتعلقة بالتعلم المسبق الضخم والتضمين (Embedding)، حيث عزز قدرتها على التوسع في التجمعات الكبيرة عبر تطبيق طوبولوجيا "شبكة التورس ثلاثية الأبعاد" (3D Torus Network). تجاوز عدد الرقائق القابلة للتوصيل في وحدة الفرع الواحد (Pod) الرقم 9600، محققًا قفزة عن الرقم 9216 في النماذج السابقة، مع التركيز على تقنية "SparseCore" ودعم العمليات الحسابية بنقطة عشرية 4 بت. وتعمل تقنية SparseCore كعجلة تسريع متخصصة لمعالجة الوصول العشوائي للذاكرة الذي يحدث غالبًا أثناء عمليات البحث في النماذج اللغوية الضخمة، حيث خفضت عبء عرض الذاكرة من خلال دمج العمليات منخفضة البت. ونتيجة لذلك، تم مضاعفة معدل المعالجة مع الحفاظ على الدقة باستخدام كمية أقل من الذاكرة، مما يتوافق مع اتجاه تقنيات "التكميم" (Quantization) التي تقلل عدد البتات لكل معلمة، مما يسمح بتقليل استهلاك الطاقة والمساحة في آن واحد.

أما TPU 8i، فقد صُمم خصيصًا لمرحلة استدلال النماذج بعد اكتمال تدريبها، وهو يتميز بقوته في معالجة ما بعد المعالجة للنماذج الضخمة والاستدلال عالي التوافق الزمني الذي يتطلبه عدد كبير من المستخدمين في آن واحد. وفقًا لگوغل،则该 الرقاقة تحمل 3 أضعاف الذاكرة العشوائية الثابتة (Static RAM) مقارنة بالنماذج السابقة، مما يمكنها من استيعاب قيم المفاتيح الكبيرة الضرورية لاستدلال نماذج LLM، مما رفع سرعة إنشاء النصوص بشكل كبير. علاوة على ذلك، تم تطبيق نظام استدلال يسمى "Collectives Acceleration Engine" لتسريع عمليات التزامن والتقليل الحسابية الضرورية في عمليات التشفير الذاتي والاستدلال التسلسلي. كما تم اعتماد طوبولوجيا شبكة مخصصة تسمى "Boardfly ICI"، مما سمح بتوصيل ما يصل إلى 1152 رقاقة ببعضها البعض، وقد قللت من المسافة التي تقطعها حزم البيانات وعدد القفزات (Hops)، مما أدى إلى خفض إجمالي عدد القفزات في الاتصالات بنسبة تصل إلى 50%.

تستحوذ نتيجة هذه الخطوة من غوغل على الانتباه، خاصة فيما إذا كانت قادرة على إحداث اضطراب في السوق الذي يهيمن عليه نفيديا. فقد تحسن أداء الرقاقات TPU 8t و 8i بمقدار الضعف لكل واط مقارنة بالجيل السابق، مما يضمن كفاءة الطاقة، وهو متغير أساسي يحدد ربحية مراكز البيانات الضخمة للذكاء الاصطناعي. هذا الإعلان لا يمثل مجرد عرض لمنتج رقائق جديد فحسب، بل هو إشارة واضحة على أن غوغل تفصل رسميًا استراتيجية بنية الذكاء الاصطناعي إلى مرحلتي التعلم والاستدلال. وفي ظل تحول منافسة خدمات الذكاء الاصطناعي من مجرد أداء النموذج إلى التكلفة التشغيلية وسرعة الاستجابة ومعدل المعالجة المتزامن، فإن هذا الإجراء يمثل استراتيجية لتعزيز وزن عملها في مجال السحابة. ورغم أن السوق تنظر إلى سرعة اعتماد العملاء الفعلي وتوافق البرمجيات مع نظام نفيديا كمتغيرات حاسمة للنجاح أو الفشل، فإن تزايد الطلب المتزامن على تقنيات التعلم والاستدلال بسبب انتشار الوكلاء الذكيين يجعل استراتيجية التفكيق هذه من الممكن أن تكون نقطة تحول مهمة في منافسة بنية الذكاء الاصطناعي في المستقبل.